يرى الكبير صندوقاً فارغاً، ويرى الطفل مركبة تصلح للسفر إلى القمر. ليس الفرق نقصاً في معرفة أحدهما، بل اتساع الاحتمال في عين الآخر. ومن هذه المسافة الجميلة تبدأ الكتابة للأطفال: أن نتذكر كيف يبدو العالم حين لا تكون أسماؤه قد أغلقت أبوابه بعد.
لكن الخيال وحده لا يكفي. يحتاج الطفل إلى حكاية يستطيع متابعتها، وشخصية يهتم بها، ومشكلة يشعر أن حلها يستحق الرحلة. والكاتب الذي يختبئ خلف النص ليُلقي درساً قد يفقد القارئ قبل أن يصل إلى حكمته.
اعرف من سيستمع إلى الحكاية
قبل الكتابة، حدد القارئ المقصود وطريقة وصول القصة إليه: هل يقرؤها شخص بصوت عالٍ؟ هل يقرأها الطفل وحده؟ هل تعتمد على الصور في معظم أحداثها؟ هذه الأسئلة تساعدك على اختيار طول الجمل وعدد الشخصيات وكمية التفاصيل.
لا تختزل الأطفال في قالب واحد، ولا تجعل العمر رقماً يقرر كل شيء. خبرة الطفل بالقراءة واهتماماته وطبيعة الكتاب تؤثر أيضاً. المهم أن تكون اختياراتك مقصودة، وأن تختبر وضوح النص مع قارئ مناسب حين تتاح الفرصة.
امنح الطفل مشكلة تخصه
لنتخيل طفلة اسمها نور تريد أن تزرع زهرة في شرفة لا تزورها الشمس إلا قليلاً. بالنسبة إلى شخص بالغ، قد تبدو المشكلة صغيرة. أما بالنسبة إليها، فهي وعد قطعته لصديقتها بأن تهديها أول زهرة تفتح.
هنا تصبح الرغبة محددة، ويصبح للتأخر معنى عاطفي. لا نحتاج إلى إنقاذ العالم كي نصنع تشويقاً؛ فقد يكون انتظار برعم واحد عالماً كاملاً إذا فهمنا لماذا يهم صاحبه.
دع البطل يحاول ويخطئ ويكتشف
إذا جاء شخص بالغ في النهاية وحل المشكلة من دون مساهمة الطفل، فقدت الرحلة جزءاً من قوتها. يمكن للكبار أن يساعدوا، وأن يحموا، وأن يقدموا معلومة، لكن امنح البطل قراراً مؤثراً.
قد تنقل نور الأصيص كل ساعة، ثم تكثر الماء، ثم تتوقف لتلاحظ أين يستقر الضوء. تسأل جدتها، وتجرب مكاناً آخر، وتتعلم مراقبة النبتة. الحل هنا ثمرة فعل وفهم، وليس مكافأة تهبط لأنها كانت «طفلة طيبة».
اكتب لغة واضحة تحتفظ بجمالها
الوضوح لا يقتضي فقراً في التعبير. يمكن أن تقول: «مدّت النبتة ورقتها نحو بقعة الشمس»، فتمنح الصورة حركة يسهل تخيلها. اختر أفعالاً دقيقة، وخفف ازدحام الجملة، واترك للكلمة الجديدة سياقاً يساعد على فهمها.
وفي القصص المعدة للقراءة بصوت عالٍ، يفيد التكرار حين تتغير دلالته مع الحدث. قد تسأل نور كل صباح: «هل استيقظت الزهرة؟». في البداية يكون السؤال استعجالاً، ثم يصير عناية، وفي النهاية تجيب الصورة عن السؤال قبل الكلمات. التكرار المتحول أمتع من إعادة جملة لا تضيف شيئاً.
اترك للصورة نصيبها من الحكاية
في الكتاب المصور، لا يلزم أن يصف النص كل ما سترسمه الصورة. يمكن للكلمات أن تقول إن نور وجدت مكاناً جديداً، بينما تكشف الرسمة أنها زحزحت لعبتها المفضلة لتفسح للنبتة مجالاً.
فكر أيضاً في الانتقال بين الصفحات. ما الذي يدفع الطفل إلى قلب الصفحة؟ سؤال؟ أثر أقدام؟ شيء اختفى؟ قد تكون لحظة الكشف البصرية جزءاً أساسياً من الإيقاع، وليست زينة تضاف بعد اكتمال النص.
امنح المشاعر مساحة من دون خطبة
للطفل حق في الغضب والغيرة والخوف والحزن داخل الحكاية. لا تتعجل محو هذه المشاعر أو وصفها بالسوء. اجعل الشخصية تجربها، وتجد طريقة للتعبير عنها والتعامل معها، مع مراعاة القارئ المقصود وطبيعة التجربة.
حين تتأخر الزهرة، يمكن لنور أن تحزن لأنها ستخلف وعدها. ثم تختار أن تخبر صديقتها بالحقيقة وتدعوهـا إلى انتظار البرعم معها. هنا تتجسد الصداقة والصدق في فعل، من دون فقرة أخيرة تعلن «والعبرة من القصة».
أفضل قصص الأطفال تمنح الصغير متعة الاكتشاف وكرامة المشاركة. لا تسحبه من يده إلى الإجابة طوال الوقت؛ تترك له موضعاً قرب النافذة، ليرى الضوء بنفسه.

